لسنا نختبر طلاب الثانوية فقط… بل نختبر قدرتهم على صناعة المستقبل

في هذه الأيام لا يخوض آلاف الطلاب والطالبات موسم الاختبارات النهائية واختبار التحصيلي فحسب، بل يعيشون مرحلة مفصلية تعد من أكثر المراحل تأثيرًا في تشكيل مستقبلهم الأكاديمي والمهني والشخصي.
ففي فترة زمنية قصيرة يجد الشاب أو الشابة نفسه أمام سلسلة من القرارات المصيرية؛ بدءًا من تحقيق نتائج دراسية جيدة والاستعداد للاختبارات، مرورًا بالمفاضلة بين التخصصات والبرامج النوعية، وصولًا إلى اختيار مسارات مستقبلية تشمل الجامعة أو الابتعاث أو التدريب المنتهي بالتوظيف وغيرها من الفرص المتاحة.
ورغم أن المجتمع ينظر إلى هذه المرحلة بوصفها موسم اختبارات، إلا أن الواقع يشير إلى أننا أمام اختبار من نوع آخر؛ اختبار للقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الضغوط، وفهم الذات، واستشراف المستقبل.
ومن خلال عملي في التوجيه المهني والتطوير الوظيفي والعمل الاجتماعي، أرى أن التحدي الأكبر الذي يواجه خريجي المرحلة الثانوية اليوم لا يتمثل في نقص الفرص، بل في وفرتها وتنوعها. فالشباب لم يعودوا أمام خيار واحد، بل أمام منظومة واسعة من البدائل التي تتطلب وعيًا ونضجًا في الاختيار.
وفي المقابل تتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية المصاحبة لهذه المرحلة؛ من القلق المرتبط بالنتائج، والخوف من عدم تحقيق التطلعات الشخصية أو الأسرية، إلى تأثير المقارنات الاجتماعية والحيرة الناتجة عن تعدد الخيارات وتشعب المعلومات.
ولعل من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح الاعتقاد بأن نتيجة اختبار أو قبولًا جامعيًا أو تخصصًا معينًا كفيل وحده بتحديد مستقبل الإنسان. فالتجارب المهنية الناجحة تؤكد أن النجاح لا يرتبط بمحطة واحدة، بل هو حصيلة قرارات وخبرات وتعلم مستمر.
ومن هنا تبرز أهمية الوعي المهني المبكر. فالاختيار المهني الرشيد لا يقوم على الشغف وحده، كما لا ينبغي أن يُبنى على احتياجات سوق العمل بمعزل عن قدرات الفرد وميوله. فالشغف يمنح الدافعية، والقدرات تصنع التميز، بينما يفتح فهم سوق العمل آفاقًا أوسع للنمو والاستقرار المهني.
وعندما يلتقي ما يحبه الإنسان بما يجيده وما يحتاجه سوق العمل، يصبح القرار المهني أكثر واقعية واستدامة وتأثيرًا.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والتنموية المتسارعة التي تشهدها المملكة، أصبح من الضروري أن ينظر الشباب إلى مستقبلهم بمنظور أوسع من مجرد الحصول على مقعد جامعي. فاليوم تتوافر مسارات متعددة تشمل التخصصات الجامعية، وبرامج الابتعاث، والأكاديميات المهنية، والمسارات المتخصصة، وبرامج التدريب المنتهي بالتوظيف، والشهادات الاحترافية، وغيرها من الفرص المتوافقة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 واحتياجات سوق العمل المستقبلية.
ولهذا فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على مساعدة الشباب في اجتياز الاختبارات، بل تمتد إلى تمكينهم من اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة. ويتطلب ذلك توفير الدعم النفسي والاجتماعي والمهني، إلى جانب دور الأسرة في بناء الثقة والحوار والاستماع، بعيدًا عن الضغوط والمقارنات التي قد تربك عملية الاختيار.
كما أن الاستعانة بالمختصين في التوجيه المهني أو الإرشاد النفسي والاجتماعي أصبحت ضرورة تسهم في رفع جودة القرارات وتقليل احتمالات التردد أو الاختيارات غير المدروسة.
ورسالتي لكل خريج وخريجة: انظر إلى مستقبلك باعتباره رحلة طويلة من التعلم والتطور، لا قرارًا واحدًا يُتخذ في لحظة عابرة.
اعرف نفسك جيدًا قبل أن تختار تخصصك.
اكتشف قدراتك قبل أن تبحث عن المسميات.
وازن بين شغفك وإمكاناتك واحتياجات سوق العمل.
ابحث عن المعرفة قبل اتخاذ القرار.
واستفد من خبرات المختصين وأصحاب التجارب.
فالنجاح المهني لا يصنعه اختبار واحد أو تخصص واحد، بل تصنعه القدرة على التعلم المستمر، واتخاذ القرارات الواعية، واستثمار الفرص في الوقت المناسب.
إن الاستثمار الحقيقي في شبابنا لا يبدأ من قاعات الاختبارات، بل من بناء إنسان يعرف ذاته، ويدرك خياراته، ويملك القدرة على اتخاذ القرار وصناعة مستقبله بثقة ومسؤولية.
فلسنا نختبر طلاب الثانوية فقط… بل نختبر قدرتهم على صناعة المستقبل.

نعم لابد للطالب أن يعرف قدراته وميوله ولا توقفه خيبة الأمل
اختبار للقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الضغوط، وفهم الذات، واستشراف المستقبل.
شكرا رسائلك المهمة للطلاب… والمحتوى الذي تحتاجه الأسرة في توجيه أبنائهم وتحفيزهم نحو تجاوز هذه المرحلة الهامة في مسيرة كل طالب…
الاستاذ / عباس الرضا
مقال ثري ومتميز يعالج مرحلة مفصلية في حياة الشباب والشابات بأسلوب واقعي وواعٍ. وقد استوقفتني بشكل خاص فكرتكم المهمة بأن التحدي اليوم لم يعد في قلة الفرص، بل في وفرتها وتنوعها، وهي قراءة دقيقة للواقع الذي يعيشه أبناء هذا الجيل في ظل تعدد المسارات التعليمية والمهنية.
كما أؤيد ما تفضلتم به من أن النجاح لا يرتبط بنتيجة اختبار أو قبول في تخصص معين، وإنما هو رحلة مستمرة من التعلم والتطوير واكتساب الخبرات واتخاذ القرارات الواعية. وهذه رسالة مهمة يحتاج كثير من الطلاب وأسرهم إلى استيعابها، خاصة في ظل الضغوط النفسية والاجتماعية التي تصاحب هذه المرحلة.
وأرى أن من النقاط التي يمكن تعزيزها أيضًا أهمية التجارب العملية المبكرة، مثل العمل التطوعي، والتدريب، والزيارات المهنية، واللقاءات مع أصحاب الخبرات، فهذه التجارب تساعد الشباب على اكتشاف قدراتهم وميولهم بصورة أكثر واقعية من الاعتماد على التصورات النظرية وحدها.
كما أن تنمية المهارات المستقبلية أصبحت اليوم ضرورة لا تقل أهمية عن اختيار التخصص نفسه، فمهارات التواصل، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والمرونة في التكيف مع المتغيرات، والمهارات الرقمية، أصبحت من أهم عوامل النجاح والاستدامة المهنية في عالم سريع التغير.
ومن المهم كذلك التأكيد على أن اختيار المسار الدراسي أو المهني ليس قرارًا نهائيًا لا رجعة فيه، فالكثير من الناجحين أعادوا تشكيل مساراتهم المهنية أكثر من مرة، واستفادوا من خبراتهم المتراكمة في بناء فرص جديدة ومتميزة. وهذا يبعث الطمأنينة في نفوس الشباب ويخفف من رهبة اتخاذ القرار.
شكرًا لكم على هذا الطرح الراقي والمتزن، وعلى هذه الرسائل التوعوية القيمة التي تجمع بين البعد المهني والنفسي والاجتماعي. مقال يحمل رؤية عميقة وخبرة واضحة، ويستحق القراءة والتأمل والنشر لما فيه من فائدة كبيرة للشباب وأسرهم في هذه المرحلة المهمة من حياتهم. دمتم موفقين ومبدعين، ونفع الله بعلمكم وخبر
أحسنت بوعبدالله على هذه التوجيهات