أبرز الأخبار

الأسد كائن أليف

قبل عدة سنوات بينما كنت جالساً في الديوانية ذات الجدران الزجاجية والمطلة على فناء المنزل، كنت أراقب حمامة مسالمة قررت أن تعتزل الجو والمسكن العالي لتمارس هواية المشي على الأرض، وبينما كنت اتأمل خطواتها الصغيرة، في لحظة واحدة شاهدت قط يقفز من سقف الديوانية ليهبط سريعاً وينقض على فريسة الضحى، لفظت حمامة السلام آخر انفاسها بين أنياب قط لا يرحم، على الأقل من وجهة نظري الحزينة حينها، فلقد كان مشهداً غير سار بالنسبة لي.

أثناء فترة الدراسة في المرحلة الثانوية كنت أحب مادة الأحياء كثيراً، وكنت أحب معلميها أيضاً، أحدهم كان ممتعاً في شرحه والآخر كان مجتهداً في شرحه، بمجرد سماعه عن حصة فراغ يأتي راكضاً ليشرح المزيد وليؤكد على معلوماتنا، وإن شعر بأن هناك من لم يفهم يخبط رأسه بالسبورة ولسان حاله يقول “صدمة عمر مرت علي ولا حسبت حسابها”، كان يأخذ الشرح والمادة بجدية لا متناهية. وفي إحدى أيام الفصل الدراسي شاركنا ذلك الأستاذ بقصة غريبة عميقة، ولأني أحب العمق ولأن هذه القصة الخيالية الواقعية جعلتني أدرك الكثير كان ذلك كفيلاً لجعلها راسخة في ذهني إلى اليوم، بعد سنوات من سماعها.
يقول الأستاذ كانت هناك حظائر أبقار لعدة مزارعين، كما أنه يوجد أسود في المنطقة تفترس بعضاً منها وبسببها يقل عدد القطيع، وبالتالي يقل مدخول التجارة بها كنتيجة طردية. فإجتمع مربوا الأبقار واتفقوا على القضاء على تلك الأسود بصورة نهائية من خلال اصطيادها بالأسلحة النارية، وبالفعل استطاعوا القضاء على جميع الأسود وما رافقها من وجبات “ستيك” ممتعة. المتوقع الآن ماذا؟ بالطبع أن يزيد عدد الأبقار أو على الأقل يبقى عددها كما هو من غير نقصان لأن من كان يهدد حياتها قد اختفى، ولكن المفاجأة إن العدد تضائل، فمثلاً لنقول إن عدد الأبقار الأصلي 400 فالمتوقع أن يزيد عددها إلى 500 مثلاً، أو كما اشرت سابقاً على الأقل يبقى الحال كما هو عليه، ولكن ما حصل أن الرقم انخفض إلى 300. السؤال هو لماذا قل وتراجع عدد الأبقار؟ وأدعوكم للتفكير قليلاً في الأمر ومحاولة إيجاد السبب.
بالنسبة لنا نحن الطلاب حينها استقبل الأستاذ محاولاتنا لإيجاد حل المسألة الشبيهه باللغز، وكل محاولاتنا باءت بالفشل. اتضح لاحقاً أن الأسد عندما كان يهجم على قطيع الأبقار كانت الأبقار تهرب وبالتالي يتحتم عليه منطقياً أن يختار الفريسة الأسهل والأضعف الواقعة في آخر المجموعة، ووجود تلك البقرة في هذا الموقع ليس محل صدفة بل لأسباب صحية طبيعية، حيث أنها مريضة وبذلك يظهر أمر عجيب وهو أن تلك الأسود كانت تقدم خدمة ومعروفاً لهؤلاء المزارعين لأنها تخلصهم من الأبقار المريضة، وعندما تَدَخَل الإنسان في هذه المنظومة والتدبير الإلهي الكوني دون دراسة ولا معرفة أصبح هناك خلل أدى إلى بقاء الأبقار المريضة متواجدة في الساحة لتعيش ولتعدي غيرها، والنتيجة مرض متفشي أدى لزيادة الوفيات والخسائر.
عوداً على ذي بدء، ليس من الطبيعي أن تبقى حمامه دون صديقاتها في الأرض تلهو وتمرح، اعتزلت السماء لأن السماء لا يستقبل المرضى ولذلك قد تكون من رحمة القدر أن هناك قط جائع خَلَص تلك الحمامة من حالة التدهور.
حقيقة لم تعد لدي مشكلة في استيعاب ذلك المشهد، الله سبحانه وتعالى خلق الكون هكذا، داوائر تُكمل بعضها. ولذلك تجد خبراء ومهندسين بيئة حاضرين في تلك المشاريع الضخمة الواقعة في الشواطئ مثلاً، لأن هناك مخلوقات تعيش فقط في تلك الشواطئ وتدخل البشر دون دراسة قد يهددها بالإنقراض، ويشكل خطراً على البيئة.

هذه القصة المثيرة دعتني للتَفَكُر طويلاً، الأسد لا يفترس من أجل الإفتراس ولا من أجل المتعة، الأسد يريد العيش مثلما يريد المزارع أن تعيش أبقاره، وذلك يجعلني أستذكر بيت عظيم معلق في غرفتي لأنه يحمل بطياته الكثير “والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست.. والسَّهمُ لولا فراقُ القوس لم يصبِ” الشافعي يصور الأسد هنا على أنه لا يريد الإفتراس، هو لا يريد أن يكون متوحشاً ولكن الطبيعة تتطلب ذلك، كما أن السهم لا يرغب بمفارقة اباه القوس ولكن لولا ذلك الفراق لن يصيب الهدف وعلينا أن نستوعب ذلك. ملاحظة: القصة مجازية لابد أن نتعامل مع اسقطاتها المفيدة لا أكثر، أنا لا أنادي بالإفتراس والترحيب بالأسود، أنا أنادي بفهم الطبيعة واستيعابها. ملاحظة أخرى: في الضفة الأخرى هناك مفترسين بشر يسلبون روحاً من بقرة حتى يرمى لحمها عبثاً وهدراً، وهُناك مخلوقات بشرية هوايتها نزع روح الطبيعة بصيدٍ جائر يفسد منظومتنا، ثم هُناك أشباه بشر لا يعلمون في الرفق شيئاً، وهُناك عُميان بصيرة يعتقدون أن البحر سلة مهملات كبيرة ولا يعلمون أن عقولهم هي الأسلال.. اسلال محورية كونية لا تفكر بغيرها. الأسد كائناً اليفاً أمام هؤلاء.

………………………………………………..

عبدالمحسن اللافي

Instagram: A.Lafi
Snapchat: A_Lafi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى