المقالات

مستشفيات عرعر “جسد بلا روح “

ظلت الخدمات الصحية في بلادنا تشكل مثالاً حياً لاهتمام حكومتنا الرشيدة بالمواطنين والعناية بصحتهم، وذلك من خلال توفير الكوادر المؤهلة والتقنية الحديثة في التشخيص والعلاج وإقامة المستشفيات والمرافق الصحية المتنوعة والمتعددة وتوفير الدواء، و الدليل على ذلك الميزانية الضخمة التي تصرف كل عام لوزارة الصحة و هي كفيلة لتوفير كافة الخدمات و المنشآت و الكوادر الصحية ،إلا إننا و للأسف لا نرى لهذه الميزانية أثرا واضح في تطور الخدمات الصحية و لا الكوادر الطبية إلا في نطاق محدود لا يغطي احتياجات المواطنين من الخدمات الصحية لذلك نجد هناك غياب لاستراتيجية العمل والتخبّط في القرارات، ما نتج عنه تراجعٌ كبير في الخدمات الصحية، الأمر الذي يهدد صحة المواطنين.   

ففي السنوات العشر الماضية شهدت المملكة طفرة إقتصادية كبيرة عم خيرها و نماؤها جميع أنحاء المملكة و في شتى المجالات ، إلا أن المتابع لحال الخدمات الصحية في المملكة يجد أن المناطق المركزية نالت نصيبها من الخدمات لكن المناطق غير الرئيسة ظلت تعاني من نقصٍ في الخدمات الصحية و الكوادر الطيبة و الفنية و المنشآت الصحية ،و نخص بالذكر منها  منطقة الحدود الشمالية و التي تعاني من قلة الكوادر الطبية و الفنية المتخصصة التي تغطي احتياجات المنطقة و مواكبة التزايد الكبير في عدد السكان ، و هذا ما تسبب فيه إهمال الوزارة الذي جعل الخدمات الطبية فيها دون المستوى.

حيث تعاني مستشفيات منطقة الحدود الشمالية نقصاً كبيرا في الكوادر الفنية والطبية وتدني في الخدمات الصحية التي تقدمها تلك المستشفيات ، بل ويمكن وصفها بأنها أقل من المطلوب وتكاد أن تكون شكلية كتوفر المستشفى بدون كوادر، إلا أنه هناك مستشفيات و مراكز و مختبرات صحية تم الانتهاء من بنائها لكنها لم تكتمل إما لنقص المخصصات المالية لها أو عدم وجود الكوادر الطبية من أطباء وفنيين و إداريين .

فواقع الخدمات الصحية في الشمال و خصوصا عرعر محبط و يدعو للتشاؤم و فقدان الثقة في مستشفياته و البحث عن بديل قريب أو بعيد حتى لو كلف ذلك الغالي و النفيس من أجل حماية أرواح المرضى من التخبطات و الأخطاء الطيبة التي لا حصر لها ،و لا غرابة من ذلك إذ كانت جميع الإدارات التي تعاقبت على مستشفيات عرعر غير مؤهلة و ليس لها دراية أو قدرة على إدارة مثل هذه المنشآت و التي تحتاج الى متخصصين و ذوي خبرة عالية و كذلك يتمتعون في مهارات متقدمة في ادارة الأزمات و هذا للأسف في مستشفيات عرعر غير موجود ، حيث يمتد تأثير ضعف و قصور الإدارات إلى توظيف و استقطاب الأطباء و هو ما جر الويلات على أهالي الشمال نظرا لتعاقد الشئون الصحية في عرعر مع أطباء غير أكفاء و لا يخدمون المنطقة و لا يسدون احتياجها من الأخصائيين و الاستشاريين. 

لهذا تجد أهالي الشمال يبحثون عن الخدمات الطبية خارج المنطقة، سواء في المناطق الرئيسة ( الرياض ، الدمام ، جدة ) أو خارج الحدود في الأردن، لذلك تجد أن كثيراً من المستشفيات الأردنية قائمة على المرضى القادمين من السعودية، وعمودهم الفقري هم المرضى السعوديون القادمون من الشمال، لأن وزارة الصحة السعودية قامت بتوفير المباني فقط ولم توفر الكفاءات الصحية اللازمة لتشغليها.

ففي زيارتي الأخيرة لمدينة عرعر قبل أسبوعين تعرضنا لحادث مروري أصيبت فيه والدتي و تم تحويلها إلى مستشفى عرعر المركزي و تنويمها في قسم الباطنية و هناك كانت المفاجئة حيث استقبلتنا الممرضة بأسلوب فض و لوحدها و لو لم أكن موجودا لما استطاعت وضع المريضة على السرير كما استعنا في عاملات النظافة للقيام بدور التمريض الذي لم تستطع ان تقوم به ممرضة واحدة في قسم كامل ،و ليست هذه المفاجئة الأولى و الأخيرة فبعد أن قرر الدكتور إجراء عملية عاجلة لها و تحويلها لغرفة العمليات كانت هناك الصدمة الكبيرة عندما رأيت واقع قسم العمليات ترددت كثيراً قبل الموافقة على إجراء العملية خوفا على حياة والدتي لسوء المكان الذي لا يكاد يصلح أن يكون حتى لتغيير الجروح ،إلا أنني و لظرف والدتي الصحي الحرج اضطررت للموافقة و المغامرة علما أن كثيراً من المتواجدين حولي من أهالي عرعر أفقدوني الثقة بالمستشفى و بالكادر الطبي لكثرة ما تم ذكره من أخطاء طبية و من قلة خبرة الأطباء و الفنيين العاملين بمستشفيات عرعر.

فما واجهته في مستشفى عرعر من واقع أليم يأكد لي ما سمعته من المواطنين الذين قابلتهم هناك ، ففي اليوم الثاني بعد إجراء العملية تلقيت إتصالا في وقت متأخر من الليل من إحدى الممرضات تخبرني أن والدتي بحاجة إلى مسكن للألم ( Paracetamol ) وأنه غير متوفر في صيدلية المستشفى فطلبت مني شرائه و إحضاره لإعطائها المسكن ذهلت لهذا الأمر إلا أنه ليس أمامي إلا إحضار هذا المسكن من أجل صحة والدتي و هذا يدل على أن هناك نقص في الأدوية و هو ما أكده لي أحد الزملاء في المستودعات الطبية بأن المستودعات و الصيدليات الداخلية في بعض المستشفيات تعاني من نقص في الأدوية ، وهو ما يثبت حال تلك المستشفيات التي تكاد أن تكون جسدا بلا روح .   

إلا أننا متفائلين كثيراً بعد تولي الدكتور توفيق الربيعة منصب وزارة الصحة و نستبشر خيراً لثقتنا بالدكتور توفيق نظير ما قدم من إنجازات في وزارة التجارة ، فالأمل بأن يكون له دور فاعل في تغيير و تحسين و تطوير الواقع الأليم في مستشفيات و مراكز الشمال الصحية ، بأن تقوم وزارة الصحة بتقديم خدمات صحية تلبي احتياجات المواطن و تضمن لكل المواطنين حقوقهم في الحصول على خدمات صحية جيدة في كل جزء من أجزاء هذا الوطن الغالي و تحقيق تنمية صحية شاملة مبنية على خطط و استراتيجيات علمية تحقق جوانب هذه التنمية الصحية ، من خلال توفير المباني و التجهيزات الطبية و كذلك توفير الكوادر الطبية و الفنية و الإدارية المدربة و المؤهلة و تطويرها علميا و مهنيا بما يتناسب و احتياج كل منطقة لكي تساهم في تشغيل و إدارة المستشفيات و المراكز الصحية بما يحقق الجودة في العمل و الكفاءة في الأداء .

_______________________

الكاتب : ساير هليل المضياني
كاتب بصحيفة تغطيات 
عضو المجلس البلدي بالجبيل

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى