المقالات

الخلاف والاختلاف: الفرق بينهما

الخلاف والاختلاف: تباين وتوافق. يُعدّ فهم الفرق بين الخلاف والاختلاف أمرًا بالغ الأهمية، فالأول غالبًا ما يكون مدانًا ومرفوضًا، بينما الثاني مطلوب ومحمود. لذلك، فإنّ مآلات الخلاف هي الشقاق والانقسام، في حين أن الاختلاف يؤدي إلى السلام والوئام والاتفاق. ومع ذلك، لا يزال الكثيرون غير قادرين على استيعاب هذا الفرق الجوهري.

الفرق بين الخلاف والاختلاف

يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-: “وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري، وذلك لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقدراتهم الإدراكية. ولكن المذموم هو بغي بعضهم على بعض وعدوانه. أما إذا كان الاختلاف لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكان هدف كل طرف طاعة الله ورسوله، فإنه لا يضر. في الواقع، الاختلاف أمر لا بد منه في الطبيعة البشرية. ولكن، إذا كان الأصل واحدًا والهدف واحدًا والطريق واحدًا، فمن غير المرجح أن يحدث خلاف، وإذا حدث، فإنه لن يكون ضارًا، كما هو الحال في خلاف الصحابة، حيث كان أساسهم واحدًا وهو كتاب الله وسنة رسوله.”

هذا بيان واضح لا يحتاج إلى تأويل. في المقابل، يؤدي الخلاف إلى النزاع والفشل والاضطراب. وهذا ما نستشفه بوضوح من خلال دراسة كلمتي “التنازع” و”الفشل” في القرآن الكريم، حيث يرتبط الأول بالثاني -كما أوضح المفكر مولاي المصطفى البرجاوي-. لقد وردت كلمة التنازع سبع مرات في القرآن الكريم، بينما وردت كلمة الفشل أربع مرات. وقد تم الربط بينهما في ثلاثة مواضع:

  1. في سورة آل عمران: 152، بعد غزوة أحد: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين).
  2. في سورة الأنفال: 43، بعد غزوة بدر: (إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور).
  3. في قوله تعالى في السورة ذاتها (آية: 46): (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين).

لذلك، يحذر القرآن الكريم صراحة من التنازع الذي يؤدي إلى الشقاق، والذي يهدد وحدة الأمة بالضياع والافتراق. هذا التنازع يثير العداوة والبغضاء والتشتت والخلاف. في الواقع، الاختلاف الاجتهادي هو مساحة مفتوحة وحرة تركها الشارع للخلق، ضمن إطار الوحدة والانسجام مع مبادئ الفطرة البشرية. فهو لا يتعارض مع نصوص القرآن الكريم، بل يشجع على التفكير وإعمال العقل.

أهمية الاختلاف الاجتهادي

الاختلاف الاجتهادي ليس أمرًا منبوذًا في الإسلام، بل هو دليل على حيوية الفكر وقدرة العقل على استنباط الأحكام من مصادر التشريع. علاوة على ذلك، فإنّ الاختلاف يثري النقاش ويؤدي إلى فهم أعمق للقضايا المختلفة. نتيجة لذلك، يجب علينا أن نحترم آراء الآخرين، حتى لو اختلفت معها، وأن نسعى إلى الحوار البناء الذي يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. ومن الجدير بالذكر أن الاختلاف في الرأي لا يعني بالضرورة وجود عداوة أو خصومة.

يمكنك الاطلاع على المزيد حول هذا الموضوع في مقال للكاتب عبداللطيف المساوي.

كما يمكنك استكشاف مبادرات خيرية في وطن الانسانية.. بقلم/ بدر بن عبد الكريم السعيد.

لمزيد من المعلومات حول الاختلاف في الرأي وأهميته، يمكنك زيارة صفحة الاختلاف على ويكيبيديا.

ختاماً، يجب أن نؤكد على أن الاختلاف رحمة، وأن الخلاف مهلك. فلنسع إلى بناء مجتمع يقوم على الاحترام المتبادل والتسامح، ونبتعد عن كل ما يثير الفتنة والنزاع.

الدكتور ساري الزهراني

تعليق واحد

  1. لأنّ القرآن الكريم، ما كان أبدًا؛ لينهى عن الاختلاف المنضبط (المحمود) وهو الدّاعي أساساً لإعمال العقل وإجالة النّظر فيه!!

    تسلم أناملك

    فهد بن جابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى