المقالات

زيارة الملك سلمان للمدرسة: قصة ملهمة

الكاتب /  سعد بن خميس الشراري

———————————

تخيلوا زيارة الملك سلمان للمدرسة! قبل سنوات، كنت مدرساً في جمهورية الهند الصديقة. هناك، لاحظت فوارق كبيرة بين تعليمنا وتعليمهم، خاصةً في التعليم الخاص. فالتعليم لديهم أولوية قصوى لكل أسرة، بغض النظر عن وضعها المالي أو الاجتماعي. لذلك، الفقير غير المتعلم يهتم بتعليم أبنائه تماماً كالبروفسور الغني.

كنت أنظر بإجلال لهذا الوعي، وأتأمل أسباب هذا الاهتمام. في الواقع، لم أكن أفيق من التأمل إلا على منجز تعليمي هندي جديد. علاوة على ذلك، جاء خبر الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لدولة الهند.

جاء الخبر، وجاء معه سيل من التحليلات السياسية لأبعاد الزيارة وأهدافها. أصبح حديث الإعلام العالمي، وإعلام البلدين بشكل خاص. كانت الأسئلة تدور حول المكاسب السياسية والاقتصادية والطبية التي سنعود بها.

تم التركيز على الجانب السياسي، لأن الزائر هو الملك سلمان بن عبدالعزيز. أما اقتصادياً، فالهند من أفضل خمس دول ناشئة في الاقتصاد العالمي. وطبياً، فهي من أكبر الدول التي تقدم خدمات طبية للمملكة والخليج.

أهمية زيارة الملك سلمان للمدرسة

كنا نتحدث في المدرسة السعودية في نيودلهي، ثم نقطع الحديث ونسأل: ما دخلنا في السياسة والاقتصاد والطب؟ لم يبق لنا ما نتحدث عنه إلا الملك سلمان. نتحدث عن أمير الرياض، والقائد الحازم، والمهتم بالتاريخ، والقارئ للكتب. فجأة، قال أحدنا: (تخيلوا يزورنا الأمير سلمان في المدرسة!).

كانت النقاشات ما بين معجب ومستبعد. لم يكن هناك وقت كافٍ، ولم نكن نعرف الكثير عن السياسة وبروتوكولاتها. ثم، ما الذي يستدعي أن يزور المدرسة رجل جاء ليمثل المملكة في زيارة رسمية؟

كانت المفاجأة أن الفكرة طرحت على سعادة السفير فيصل بن طراد، ووصلت إلى المختصين بالزيارة. تقرر أن يزورنا الملك سلمان. فرحة عارمة اجتاحت المدرسة ومنسوبيها. انطلقت الأفكار والترتيبات والخطط، وتحول الفريق إلى خلية نحل. نجح الأستاذ محمد الخليفي، مدير المدرسة، في قيادة فريق العمل لإعداد حفل مصغر لتلك الزيارة الكبيرة.

عاد ضجيج الأحاديث: من سيقابل رمز الوفاء؟ وما الذي سنقوله له من همومنا؟ أي الفصول سيزور؟ ما الذي سيقوله لنا؟ جاءت الزيارة بعد شوق وانتظار. ها هو خادم الحرمين الشريفين على بوابة المدرسة، وكأني لا أصدق عيناي. جاء ولم يترك أحداً في المدرسة إلا وألقى عليه التحية.

تشرفنا جميعاً (معلمو المدرسة) وعدد من طلاب المدرسة بالسلام عليه ومصافحته. ثم جلس مع مدير المدرسة وتحدث عن همومنا وآمالنا التعليمية، وطلب أن تكون المدرسة موطناً للإبداع. ثم زار الروضة ولاطف الأبناء، وكان له موقف أبوي حاني مع ولدي، سيكون موضوع مقال لاحق. ثم زار معرض (الرجل الآلي) وقال كلمته الشهيرة التي تصدرت الصحف: (أتمنى أن أراكم مخترعين).

رسائل من زيارة الملك سلمان

ثم صعد لزيارة أحد الفصول التي كنت فيها، وتحدث معي ومع الطلاب بعفوية الأب وحرصه، وأوصى بالجد والاجتهاد. خرج رمز الوفاء من المدرسة ليستكمل زيارته ومهمته الكبيرة، بعد أن اطمأن على المكان الذي سيخرج منه القادة في كل المجالات لوطن العطاء. ما بين كلمتنا (تخيلوا يزورنا الأمير سلمان) وكلمته (أتمنى أن أراكم مخترعين)، ما بينهما عدة رسائل ودروس تحتاج إلى تأمل.

أولاً: قضيتنا التعليمية هي إحدى أولويات خادم الحرمين الشريفين. كيف لا، وهو قد استقطع جزءاً من زيارة رسمية وضحى بشيء من راحته ليزور المدرسة؟ لذلك، لم أستغرب دمج وزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم، ولم أستغرب أن يأتي مهندس مهتم بالتعليم ومؤلف عن التعليم ليقود هذه الوزارة الوليدة. فمن يعرف القائد سلمان يعرف أنه يبحث عمن يحمل الهم لأكبر همومنا وآمالنا قبل أن يحمل التخصص.

ثانياً: ملكنا المفدى لديه تصور عما يجب أن يكون عليه التعليم. إذا لم نكن مخترعين، فلا حاجة لنا أن نستجدي اختراعات الآخرين. لذلك قالها للطلاب صريحة وواضحة: (أتمنى أن أراكم مخترعين). بهذه البساطة وبلا تعقيدات كان التصور. تعليمنا يجب أن يقودنا لأن نكون مخترعين، وإلا فلسنا على المسار الصحيح. المزيد عن التعليم

ثالثة الأثافي من هذه الدروس: ملكنا يعتني بالتفاصيل التعليمية. فبرغم المهمة الكبيرة التي جاء من أجلها، إلا أنه لم يطلب أن يزوره وفد يمثل المدرسة في مقر إقامته، بل هو – وهو الكبير قدراً ومكانة – هو من زار المدرسة وقابل جميع معلميها وتحدث مع طلابها من الروضة إلى الثانوي. كما زار الفصول واطلع على سير العمل، نصح ووجه وتحدث وسأل.

هنيئاً للوطن وتعليمه هذا التشريف والمكانة التي بدت معالمها من حزمة القرارات الملكية التي صدرت لتبني حقبة تعليمية تاريخية جديدة، ترسم خارطة الطريق لتتبوأ المملكة مكانتها التعليمية اللائقة بها. الأمن الفكري و التعليم و ٢٠٣٠.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى